فخر الدين الرازي
134
تفسير الرازي
لتلك الذات ، فيقال لهم : قد دللنا على أنا لا نعقل ذات الله تعالى تعقلاً ذاتياً ، وإنما نتعقل تلك الذات تعقلاً عرضياً ، وعند هذا يسقط هذا الدليل ، فهذا تمام الكلام في هذا الباب . اسمه تعالى الحي : المسألة الرابعة : لفظ الحي وارد في القرآن ، قال الله تعالى : * ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) * ( البقرة : 25 ) وقال : * ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) * ( طه : 111 ) وقال : * ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) * ( غافر : 65 ) فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم ، فما السبب في أن ذكره الله تعالى في معرض المدح العظيم ؟ فالجواب إن التمدح لم يحصل بمجرد كونه حياً ، بل بمجموع كونه حياً قيوماً . وذلك لأن القيوم هو القائم بإصلاح حال كل ما سواه ، وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة ، والحي هو الدراك الفعال ، فقوله : " الحي " يعني كونه دراكاً فعالاً ، وقوله : " القيوم " يعني كونه دراكاً لجميع الممكنات فعالاً لجميع المحدثات والممكنات ، فحصل المدح من هذا الوجه . الباب الخامس في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية الاسم الدال على الصفات الإضافية : اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة عقلية ، وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون ، وقال آخرون إنه غيره ، واحتج النفاة بوجوده : - الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب ، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير ، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار . الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها ، إلى تكوين آخر ولزم التسلسل . الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أوليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذٍ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وعلى هذا التقدير فلا حجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذٍ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير ، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض .